Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير
    

XIII

وكان الكوكب الرابع كوكب " البزنسمان" رجل الأعمال فلما نزله الأمير الصغير كان الرجل منهمكاً كلّ

الانهماك حتّى أنّه لم يرفع رأسه فقال له الأمير: عِم صباحاً، هذي سيكارتك قد انطفأت.

أما الرجل فظلَّ منكباً على حساباته يقول: ثلاثة واثنان خمسة. خمسة وسبعة اثنا عشرة، اثنا عشرة وثلاثة

خمس عشرة، عِم صباحاً. خمس عشرة وسبعة اثنان وعشرون. اثنان وعشرون وستة ثمانية وعشرون، لا

وقت لي فأشعلها، ستة وعشرون وخمسة واحد وثلاثون."أُف" فالحاصل إذن خمسماية مليون ومليون

وستماية واثنان وعشرون ألفاًوسبعماية وواحد وثلاثون.

قال الأمير: خمسماية مليون ماذا؟

قال الرجل: آه.لا تزال هنا؟ خمسماية مليون...خمسماية مليون لا أدري ماذا. إن أشغالي عظيمة جداً حتى

إني لا أدري ما هي الخمسماية مليون. أنا رجل رصانة وجد .أنا لا ألهو بالترهات! اثنان وخمسة سبعة...

فكرر الأمير السؤال قائلاً: خمسماية مليون ماذا؟ والأمير كما تعلم لم يطرح قط في حياته سؤالاً وغفل

عنه بعد طرحه.

رفع "البزنسمان" رأسه وقال: أنا أقطن هذا الكوكب منذ أربع وخمسين سنة وما شُوش علي عملي إلا

ثلاث مرات. ففي المرة الأولى، لاثنتين وعشرين سنة خلت، عكّرت علي صفو عملي خنفساء سقطت من

حيث لا أدري وأحدثت ضجة هائلة فغَلطت أربع غلطات. وفي المرة الثانية لإحدى عشرة سنة خلت،

أصبت بنوبة عصبية وذلك لأنّي لا أمارس شيئاً من الرياضة البدنية فعملي لا يترك لي متّسعاً من الوقت

للنزهة والتمشّي على الطرقات من غير ما قصد ولا غاية. أنا ذو رصانة وجد .أما المرة الثالثة فهي هذه

المرة. قلت خمسماية مليون ومليون...

قال الأمير: مليون ماذا؟

أدرك "البزنسمان" أن هذا السائل عنيد لا يميل إلى المسالمة فقال: ملايين من هذه الهنات التي ترى أحياناً

في السماء.

قال الأمير: أتكون ملايين من الذبان؟

قال: لا. بل هنات صغار تضيء.

قال: أتكون من النحل؟

قال: لا. بل هنات صغار مذهبة. يسبح أمامها الكسالى في بحار من الأحلام. أما أنا فرجل رصين رزين

لا يتّسع وقتي للأحلام.

قال: هي النجوم.

قال: هي النجوم إذن؟

قال: وما تصنع بخمسماية مليون من النجوم؟

قال:خمسماية مليون ومليون واثنان وعشرون ألفاً وسبعماية وواحد وثلاثون. أنا رجل رزين أُحب الضبط

والدقّة.

قال: وما تصنع بهذه النجوم؟

قال: ماذا أصنع بها؟

قال: نعم. ما تصنع بها؟

قال: لا شيء. إنّما أنا أملكها.

قال: إنك تملك النجوم؟

قال: نعم أملكها.

قال: رأيت ملكاً...

فقاطعه الرجل قائلاً: الملوك لا تملك بل تسود، والفرق بين اللفظتين شاسع جداً.

قال: وما تجني من امتلاك النجوم؟

قال: إنّي بها غني.

قال: وما الفائدة من غناك؟

قال: أشتري النجوم الأخرى كلّما اكتشفها مكتشف.

26

قال الأمير في نفسه: إن تفكير هذا الرجل لغريب عن تفكير السكارى.على أنّه طرح عليه أيضاً بعض

الأسئلة وقال: كيف يسع المرء أن يمتلك النجوم؟

قال الرجل متذمراً: لمن هي النجوم؟

قال: لا أدري لا أظنّها لأحد.

قال: إذن هي لي لأنّي أول من فكّر بامتلاكها.

قال: أيكفي هذا لأن تكون لك؟

قال: كيف لا. إذا وجدت ماسة ليست لأحد من الناس فإنّها تصبح لك. وإذا اكتشفت جزيرة ليست لأحد من

الناس فإنّها تصبح لك. وإذا خطرت على بالك فكرة لم تخطر على بال أحد من الناس سجلتها وأخذت

براءة بها فهي لك دون سواك. وعلى هذا فأنا أملك النجوم لأنه ما من أحد فكّر قبلي في امتلاكها.

قال الأمير الصغير: هذا هو القول الحقّ. لكن ماذا تصنع بالنجوم؟

قال: إنّي أسوسها وأعدها ثم أعدها، ولا يخفى ما في ذلك من الصعوبة غير أنّي رجل رزين رصين.

ولم يقتنع الأمير الصغير كلّ الاقتناع بهذا الجواب فقال: إذا كان لي أنا منديل وضعته حول عنقي إذا

شئت، وذهبت به أنّى شئت، وإذا كان عندي زهرة قطفتها وذهبت بها إذا شئت، أما أنت فلا تقوى على

اقتطاف النجوم.

قال: أنا لا أقوى على اقتطافها غير أنّي أستطيع وضعها في المصرف.

قال: ماذا تعني؟

قال: أعني أنّي أقيد في ورقة صغيرة عدد نجومي ثم أضع الورقة في درج وأقفل عليها.

قال: هذا كلّ ما تصنع؟

قال: هذا يكفيني.

ففكر الأمير في نفسه قائلاً: تصرف هذا الرجل تصرف مضحك يكاد يكون شعرياً، غير أنّه ليس على

شيء من الجد والرزانة.

كان للأمير الصغير رأي في الأمور الجدية تختلف كلّ الاختلاف عن رأي الكبار من الناس.

ثم تابع الأمير الصغير قائلاً: أنا عندي زهرة أسقيها كلّ يوم وعندي ثلاثة براكين أنظّفها مرة في كل

أسبوع. وبينها بركان خامد أنظّفه أيضاً فقد يهيج هذا البركان، فامتلاكي للبراكين والزهرة تفيد منه

البراكين والزهرة. أما أنت فلا تفيد النجوم منك شيئاً.

ففتح البزنسمان فمه للجواب، لكنّه لم يجد ما يقول، وانصرف الأمير الصغير في حال سبيله.

وكان يردد طوال رحلته: إن شأن الكبار لشأن غريب.