Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير


    

XV

وكان الكوكب السادس أكبر كوكب نزل فيه الأمير فهو أرحب منها بعشرة أضعاف ويقطنه رجل شيخ

منكب على كتابة مؤلفات ضخمة. فلما لمح الأمير الصغير صاح: هذا رائد من الرواد.

وجلس الأمير الصغير على زاوية من "الطاولة" وتنفَّس قليلاً لما ناله من التعب في أثناء رحلته الطويلة.

وقال له الرجل الشيخ: من أين أقبلت؟

قال الأمير: ما هذا الكتاب الضخم. وما تصنع أنت هنا؟

قال: أنا جغرافي.

قال: وما الجغرافي؟

قال: الجغرافي عالم يعرف مواقع البحار والأنهر والمدن والجبال والصحارى.

قال: هذا علم يسترعي الانتباه ويثير الفضول. وهو مهنة حقيقية لا كالمهن التي عرفتها في الكواكب

الأخرى.

وأجال لحظه فيما حوله من كوكب الجغرافي فاستعظمه لأنه ما كان رأى من قبل كوكباً على مثل هذه

الفخامة ثم قال: إن كوكبك لجميل، فهل يشتمل على بحار محيطة؟

قال الجغرافي: هذا ما لا يسعني معرفته.

فخاب أمل الأمير به وقال: وهل فيه جبال؟

قال: هذا ما لا يسعني معرفته.

قال: وهل فيه مدن وأنهار وصحارى؟

قال: وهذا أيضاً مما لا يسعني معرفته.

قال: كيف لا تعرف هذا وأنت عالم جغرافي؟

قال: هذا القول الصواب غير أني لست من الرواد وليس عندي أحد منهم. فالجغرافي لا يجوب الأقطار

ليعد المدن والأنهر الجبال والبحار الداخلية منها والمحيطية، والصحارى، إنه لا يتلهى بإضاعة وقته في

الانتقال من مكان إلى مكان بل يلزم مكتبه ، يستقبل الرواد فيه ويسألهم ويسجل ذكرياتهم واختباراتهم وإذا

بدا له أنها تستحق الاهتمام كلَّف بعضهم القيام بتحقيق عن أخلاقه وسلوكه.

قال: ولم هذا؟

قال : لأن الرائد إذا كان كذاباً أدى كذبه إلى كوارث عدة في كتب الجغرافية وكذلك إذا كان سكيراً مدمناّ

الشرب...

قال الأمير الصغير: وكيف يكون ذلك؟

قال: لأن السكير يرى الأشياء مزدوجة فحيث يكون جبل واحد يرى السكّير جبلين.

فيذكر الجغرافي جبلين بدلاً من جبل واحد.

قال الأمير الصغير: أنا أعرف رجلاً لا يصلح أن يكون رائداً.

قال: من الممكن أن تعرف مثل هذا الرجل. أما إذا تبين حسن أخلاق الرائد وسلوكه فيحقّق في اكتشافه.

قال: يذهب المحقّق إذن إلى محل الاكتشاف؟

قال: لا فهذا أمر صعب معقّد إنما يطلب من الرائد أن يقيم الدليل على اكتشافه فإذا اكتشف مثلاً جبلاً

عظيماً طُلب منه أن يأتي من الجبل بحجارة ضخمة.

واضطرب الجغرافي فجأة وقال: وأنت، فإنك آتٍ من بلد بعيد، أنت من الرواد فصف لي كوكبك.

وفتح الجغرافي سجله وبرى قلمه الرصاصي وتهيأ للكتابة فإن كتابة أخبار الرواد بالحبر لا تكون إلاّ بعد

أن يقدم الرواد الأدلة القاطعة.

ثم قال: هات ما عندك.

قال الأمير الصغير: ليس عندي ما يثير الاهتمام كثيراً فكوكبي كوكب صغير فيه ثلاثة براكين بركانان

منها مشتعلان أما الثالث فخامد. ومن يدري فقد يهيج يوماً.

قال الجغرافي: من يدري؟

قال: وعندي أيضاً زهرة.

قال: نحن لا نذكر الأزهار.

قال: ولماذا؟ إنها أجمل زهرة في الأزهار.

قال: لأن الأزهار سريعة الزوال.

قال: ما تعني بسريعة الزوال؟

قال الجغرافي: كتب الجغرافية هي أعظم الكتب شأناً فإنها لا تتبدل بتبدل الأزياء والعادات، وقلَّ أن ترى

جبلاً يتحول عن مكانه، وبحراً ينضب ماؤه. فنحن، الجغرافيين، نسجل الأشياء الخالدة.

قال الأمير الصغير: لكن البراكين الخامدة قد تستيقظ يوماً فما معنى سريعة الزوال؟

قال: لا فرق عندنا نحن، الجغرافيين، بين أن تكون البراكين راقدة أو مستيقظة فما نعتد به إنما هو الجبل

والجبل لا يتغير.

وألح الأمير الصغير في سؤاله فإنه ما أهمل قط في حياته سؤالاً طرحه، قال: لكن ما تعني بسريعة

الزوال؟

قال: أعني أنها مهددة باضمحلال قريب.

قال: فزهرتي إذن مهددة باضمحلال قريب.

قال: هذا مما لا ريب فيه.

وقال الأمير في نفسه: زهرتي قريبة الزوال. ليس لها إلاّ أربع أشواك للمدافعة عن نفسها وقد تركتها

وحيدة في موطني.

وشعر لأول مرة بغم شديد لفراقها، بيد أنه تنشّط وسأل الشيخ قائلاً: ماذا تنصح لي بأن أزور من

الكواكب؟

قال: زر الأرض فإنها تتمتع بسمعة طيبة.

وانصرف الأمير الصغير وهو يفكر بزهرته.