Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير


    

II

رأيت، وأنا في السادسة من عمري، صورة رائعة في كتاب عن "الغابة العذراء" يدعى "قصص حقيقية"

وكانت الصورة تمثل ثعباناً (بوا) يبتلع وحشاً. في أعلى الصفحة نسخة عن تلك الصورة.

وقرأت في الكتاب: "أن الثعابين تبتلع فريستها بالكامل، من دون أن تمضغها، فإذا ابتلعتها عجزت عن كل

حركة ونامت مدة ستّة أشهر حتى تنتهي من هضمها.

وبعد أن فكرت ملياً فيما يقع في الغابات من الحوادث أخذت قلماً فيه رصاصة ملونة وخططت أول رسم

رسمتـُه وهو كما ترى.

ثم أريتُ باكورة فنّي الكبار من الناس (أعني الكبار في السن

و ظللت هكذا وحيداً لا أجد من أتحدث إليه حديثاً صادقاً حتى اليوم الذي تعطلت فيه طائرتي في

الصحراء و قد مر على هذا الحادث ست سنوات. وكان العطل في المحرك و لم يكن في الطائرة

ميكانيكي و لا ركاب، فتأهبت لإصلاح العطل بنفسي على ما في إصلاحه من الصعوبة، على أن في

إخفاقي أو نجاحي موتي أو حياتي. ولم يكن لدي من الماء إلا ما يكفيني مدة ثمانية أيام.

نمت في الليلة الأولى على الرمل و بيني و بين أقرب بلد آهل ألف ميل، فكنت في عزلتي أشد انفراداً

من غريق على طوف في عرض المحيط. و شد ما كانت دهشتي عندما استيقظت في الصباح على صوت

نحيل غريب يقول: ارسم لي إذا شئت، خروفاً.

قلت: ماذا؟

قال: صور لي خروفاً.

فاستويت على قدمي مذعوراً كمن أنقضت عليه الصاعقة، وأخذت أفرك عيني .ثم نظرت فإذا ولد صغير

غريب الهيئة يحدق إلي بإنعام ورصانة. وقد صورته فيما بعد صوراً عديدة غير أن الصورة التي ترى

هي أفضلها. لكنها هيهات أن تدانيه فتوناً و جمالاً. وما يرجع إلي الذنب في تقصيري فإن الكبار قد

ثبطوا عزيمتي عن مسلك التصوير يوم كنتُ في السادسة من عمري، وما كنت تعلمت من هذا الفن سوى

رسم الثعابين من ظاهرها و باطنها.

نظرت إلى هذه الـ"رؤيا" بعينين ملؤهما الدهشة والحيرة. ولا غرابة فأنا على بعد ألف ميل عن كلّ ناحية

معمورة وما من شيء يدل على أن هذا الولد ضلّ طريقه أو أنه يهلك جوعاً أو عطشاً أو أنه يموت عياء

أو خوفاً، و ما من شيء ينبئ أنه ضائع في قلب هذه الصحراء على بعد ألف ميل عن كلّ بلد آهل.

ولما عاد إلي روعي واستطعت الكلام قلت: وأنت... ماذا تصنع هنا؟

فلم يجب على سؤالي بل كرر علي طلبه الأول وكأنّه يعلّق عليه أهمية كبيرة.

قال: أرسم لي، إذا شئت، خروفاً.

فحيال هذا السر الغامض الذي أثّر في نفسي تأثيراً بليغاً ما جرؤت على عصيان أمره بل تأهبت لتلبيته

على ما فيه من الغرابة في مكان يبعد ألف ميل عن كلّ بلدِ معمور وعلى ما يحيق بي من خطر الموت.

فأخرجت من جيبي ورقة و قلم الحبر ثم ذكرت أنّي درست على الأخص الجغرافية و التاريخ و الحساب

و قواعد اللغة. فقلت للولد الصغير بنبرة فيها شيء من الامتعاض: إنّي لا أحسن الرسم.

فقال: لا بأس في ذلك. ارسم لي خروفاً.

و لم أكن رسمت من قبل خروفاً فرسمت له أحد الرسمين اللذين في متناول قلمي. وهو رسم الثعبان في

هيئته الخارجية. وما أشد ما كانت دهشتي عندما سمعت الولد يقول: لا، لا. أنا ما أردت فيلاً في ثعبان.

فالثعبان شديد الخطر، أما الفيل فيضيق به موطني. إن موطني صغير، صغير جداً. أنا بحاجة إلى

خروف، فأرسم لي خروفاً.

فرسمت له خروفاً.

فأنعم النظر فيه ثم قال: لا، لا. هذا خروف مريض. وقد تفاقم مرضه فأرسم لي غيره.

فرسمت له غيره.

فابتسم ابتسامة حلوة وقال مترفّقاً بجهلي: ألا ترى ... ليس هذا خروفاً. هذا كبش ذو قرنين.

فرسمت له خروفاً آخر. فلم يرض عنه بل رفضه كما رفض الخروفين السابقين وقال: هذا خروف قد

شاخ وأنا أريد خروفاً فتياً يعمر طويلاً.

ففرغ عندئذٍ صبري وكنت أنوي الإسراع في تفكيك المحرك فخربشت له الصورة التي ترى

وقلت: هذا هو الصندوق. أما الخروف ففي داخله. ونظرت إليه فإذا وجهه يتهلّل حبوراً، فعجبت لأطوار

هذا الولد الذي جعل نفسه حكماً في تصويري. ثم قال: هذا ما كنت أبتغي. ولكن أتراه يحتاج إلى كثير من

العشب؟

قلت: ولماذا؟

قال: لأن موطني صغير جداً.

قلت: مهما كان صغيراً فكن على يقين من أن عشبه يكفيه فإني أعطيتك خروفاً على غاية من الصغر.

فحنا رأسه على الرسم وقال:

لا أراه صغيراً بقدر ما تتوهم ... أنظر فإنه قد نام.

هكذا عرفت الأمير الصغير.