Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير
    

XXIV

كان قد مضى على حادث طيارتي في الصحراء ثمانية أيام وقد شربت آخر نقطة من الماء حين كنت

أسمع قصة بائع الحبوب. فقلت للأمير الصغير: جميلة ذكرياتك هذه! غير أني لم أصلح بعد طائرتي وقد

نفذ الماء، فليت لي أنا أيضاً أن أتمشى وئيداً إلى عين ماء.

فقال الأمير الصغير: صديقي الثعلب...

فقاطعته قائلاً: ما لنا ولصديقك الثعلب...

قال: لماذا؟

قلت: لأننا سنهلك عطشاً.

فلم يدرك مغزى كلامي فأجاب: من الخير أن يكون للمرء صديق حتى وإن كان مشرفاً على الهلاك. أما

أنا فإني سعيد بأن يكون لي صديق من الثعالب.

فقلت في نفسي: إنه لا يقدر ما نحن فيه من الخطر حقَّ قدره وكيف له أن يدرك وهو لا يجوع ولا

يعطش. فقليل من الشمس يكفيه.

وكأنه وعى ما دار في خاطري فقال: أنا أيضاً عطشان فلنلتمس لنا بئراً.

فأتيت حركة دلت على تعبي وقنوطي فكأني أقول بها: من الطيش أن نفتش جزافاً عن بئر في هذه

الصحراء المتمادية الأطراف. على أننا أخذنا في المشي.

وبعد أن قضينا ساعات طوالاً ونحن صامتان، خيم الليل وبدأت النجوم تتلألأ في القبة الزرقاء فكنت أنظر

إليها كمن ينظر في حلمٍ لما نابني من حمى العطش. وكانت كلمات الأمير الصغير تتراقص أمام ذاكرتي.

فقلت له: وأنت تعطش أيضاً؟

فلم يجب على سؤالي بل اكتفى بأن قال: ربما نقع الماء غلة القلوب.

فلم أدرك معنى لجوابه وسكتُ...لعلمي أن من العبث طرح الأسئلة عليه. وكان قد تعب فجلس وجلست

بالقرب منه وساد الصمت بيننا.

ثم قال: النجوم جميلة لأن فيها زهرة لا ترى.

فأجبت قائلاً: صدقت. ولم أزد ونظرت إلى غضون الرمال تحت أشعة القمر.

فأضاف: والصحراء جميلة أيضاً.

وكانت الصحراء جميلة. إني أحببت الصحراء منذ أن ولدت. في الصحراء يجلس المرء على كثيب من

الرمل ولا يرى شيئاً ولا يسمع شيئاً على أنه يشعر بشيء يشع في صمتها.

وقال الأمير: إنما يجعل الصحراء جميلة هو أنّها تخفي بئراً في ناحية من أنحائها. فدهشت عند سماعي

كلامه لأني أدركت فجأة سر إشعاع الرمال. وذكرت بيتاً كنت أسكنه في حداثتي وكان بيتاً قديماً جاء في

إحدى الأساطير أن فيه كنزاً مدفوناً. لم يكتشف أحد هذا الكنز وربما لم يخطر على بال أحد أن يكتشفه

على أن الكنز كان يجلل البيت بشيء من السحر والفتون وذلك لأن بيتي كان يخفي سراً في قلبه.

قلت للأمير الصغير: إنما ما يهب الأشياء جمالها هو شيء خفي لا تراه العيون سواء أكانت تلك الأشياء

صحارى أم بيوتاً أم نجوماً.

فقال الأمير: يسرني أن تكون في اتفاق في الرأي مع الثعلب.

وغلب النعاس على الأمير الصغير فحملته بين ذراعي وعاودت سيري وقد أخذ التأثر مني مأخذاً بليغاً

فكنت أتصور أني أحمل كنزاً سريع العطب ليس على الأرض شيء أسرع منه إلى العطب. وكنت أنظر

في نور القمر إلى ذلك الجبين الشاحب والعينين المغمضتين وخصل الشعر الأشقر يداعبها النسيم وأقول

في نفسي: لا أرى منه إلا قشرته أما الشيء الجلل فيه فخفي عني.

وافترت شفتاه عن ابتسامة خفيفة فقلت أيضاً في نفسي: إنما يؤثر في هذا الأثر من هذا الأمير الصغير

النائم هو إخلاصه لزهرته، إنما هو صورة هذه الوردة التي تشع في صدره إشعاع المصباح حتى أثناء

رقاده. وعندما خطرت هذه الصورة في بالي زاد شعوري بسرعة انعطابه فإن المصباح ليطفئه أدنى ريح

تهب عليه، فعلى صاحبه أن يصونه دون كل ريح.

ثم تابعت المسير وعثرت على البئر عند طلوع الفجر.