Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير


    

XXVI

وكان بالقرب من البئر بقية من جدار من الصخر منهدم فلما عدت من عملي في مساء اليوم التالي لمحت

عن بعد الأمير الصغير جالساً على أعلى الجدار ورجلاه متدليتان وسمعته يقول:

ألا تذكرين، لم يكن لقاؤنا هنا بل قريباً من هنا.

ولا بد من أن يكون قد تلقّى جواباً فإنه قال: بلى. بلى. هو يوم ملتقانا غير أن هذا المكان ليس هو المكان

الذي التقينا فيه.

وتابعتُ سيري إلى الجدار وأنا لا أرى أحداً ولا أسمع صوتاً بيد أن الأمير الصغير كان يجيب على أسئلة

توجه إليه. وسمعته يقول:

... لا ريب في ذلك فإنك سترين أين يبدأ أثر خطوي في الرمل، فانتظريني إذا صرت هنالك أما أنا

فأكون عندك هذه الليلة.

وكنت على عشرين متراً من الجدار وما من أحد أراه هناك وسكت الأمير الصغير قليلاً ثم قال:

أرجو أن يكون سمك زعافاً فلا أقاسي الألم طويلاً. هل أنت على ثقة من سمك؟

فوقفت عندئذٍ وقد انقبض قلبي ولم ينجلِ لي معنى كلامه حتى تابع فقال: اذهبي الآن... فأنا نازل عن

الجدار.

فالتفتُ إلى أسفل الجدار ووثبتُ ذعراً فإني رأيت عنده حية صفراء من الأراقم التي تقضي على الملسوع

في لحظة وهي منتصبة في وجه الأمير الصغير فأسرعت إليها وقد انتشلت المسدس من جيبي لكنها

أحست بي فهبطتْ وئيداً إلى الرمل كما يهبط الماء الصاعد من النافورة إذا سد مجراه وانسابت على مهل

بين الحجارة ولها خشخشة كخشخشة الحلي المعدنية.

وما إن انتهيت إلى الجدار حتى تلقيت الأمير الصغير بين ذراعي وكان لونه ممتقعاً شاحباً فقلت له:

ما هذه القصة! إنك تحاور الآن الحيات!

ونزعت عنه منديله الذهبي اللون الذي ما كان يفارق عنقه ورطبت صدغيه بالماء وسقيته وأخذت أنظر

إليه لا أجرؤ على طرح أي سؤال عليه، فحدق إلي ملياً ثم طوق عنقي بذراعيه، فأحسست بقلبه ينتفض

كما ينتفض قلب عصفور رماه الصياد فأصماه، فهو يموت.

وقال لي: قد سرني أنك وجدت ما كان ينقص طائرتك، ففي وسعك الآن أن تعود إلى موطنك.

فقلت له: وكيف عرفت ذلك؟

كان في نيتي عند مجيئي أن أخبره بأني تمكنت من إصلاح الطائرة بعد أن قطعت كل أمل من إصلاحها.

فلم يجب على سؤالي بل قال: وأنا أيضاً أعود اليوم إلى موطني.

ثم قال والكآبة ملء صوته: إن موطني لأبعد من موطنك والطريق إليه أشقُّ من طريقك وأصعب.

وكنت أتوقع حدوث أمر جلل، فضممته بين ذراعي ضماً شديداً كما تضم الأم طفلها، وكان يخيل إلي أني

بالرغم من ضمي له ينفلت منّي وينحدر تواً في هاوية فلا أستطيع إمساكه.وكان نظره عميقاً شارداً.

وقال: عندي الآن الخروف وعندي صندوق الخروف وعندي الكمامة، ثم ابتسم ابتسامة كئيبة.

وسكت وانتظرتُ ملياً. ثم شعرت بأن الحرارة ترجع إليه قليلاً قليلا فقلت: أراك قد خفت يا عزيزي.

وما من ريب في أنه خاف بيد انه ضحك ضحكة لطيفة وقال: وفي هذا المساء يكون خوفي أعظم.

فجمد الدم في عروقي وأيقنت بوقوع ما لا مرد له. وأدركتُ أن لا طاقة لي باحتمال حرمانه من سماع

ضحكة الأمير فإنها كانت في أذني كخرير ماء النبع في الصحراء.

وقلت له: وددت يا عزيزي لو ضحكت أيضاً فأسمع ضحكتك، فلم يجب بل قال: في هذه الليلة ينقضي عام

على هبوطي في هذا الكوكب وتكون نجمتي فوق المكان الذي هبطت فيه في السنة الغابرة.

فقلت: يا عزيزي، قل لي ألا تكون قصة الحية وقصة الموعد الذي ضربته لها قصة النجمة حلماً مزعجاً

حلمته.

فلم يجب بل قال: لا شأن لما يرى فكل الشأن لما لا يرى.

قلت: لا ريب في ذلك.

قال: الحال في هذا كحال الزهرة فإنك إن أحببت زهرة في نجمة وجدت في النظر إلى السماء في الليل لذةً

وسروراً، وحسبت أن النجوم قد أزهرت جميعها.

قلت: لا ريب.

قال: وحال الزهرة كحال الماء، فإن الماء الذي سقيتني كان كالموسيقى الذي علق به من نغم البكرة ونغم

الحبل. ألا تذكر؟ إن ذلك الماء كان لذيذاً سائغاً.

قلت: لا ريب.

قال: إنك ستنظر في الليل إلى النجوم ولا ترى موطني فإن موطني على غاية من الصغر يحول صغره

دون الاهتداء إليه، على أن الأفضل لك أن لا تراه فتقول في نفسك: هو نجمة من هذه النجوم. وتنظر إلى

النجوم جميعاً وتحبها جميعاً وتغدو النجوم جميعاً صديقات لك. ثم إني مهديك هدية.

وضحك فقلتُ: يا عزيزي ما ألذَّ ما أسمع من ضحكك.

قال: هو ما أحب أن أهديك. أهديك ضحكي فيكون كالماء.

قلت: ما تعني؟

قال: للناس نجوم يختلف بعضها عن البعض الآخر، فمن الناس من يسافر فتكون النجوم مرشدات له، ومن

الناس من لا يرى في النجوم إلا أضواء ضئيلة، ومنهم من يكون عالماً فتكون النجوم قضايا رياضية

يحاول حلّها، ومنهم من يكون كصاحبي "البزنسمان" فيحسب النجوم ذهباً. وهذه النجوم على اختلافها تظل

صامتة أما أنت فيكون لك نجوم لم تكن لأحد من الناس.

قلت: ما تعني؟

قال: فإذا نظرت في الليل إلى السماء حيث أكون في إحدى النجوم ضحكتُ أنا فيخيل إليك أن سائر النجوم

تضحك وهكذا يكون لك نجوم تحسن الضحك.

وضحك أيضاً ثم قال: وإذا أنت سلوتني (ولا بد لكل امرىء من أن يسلو) وجدت راحة في أنك عرفتني

أما أنا فأحفظ لك مودتي، فإذا اشتهيت أن تضاحكني فتحت نافذتك ونظرت إلى السماء وضحكت فيعجب

أصدقاؤك منك ومن ضحكك فتقول لهم: لا عجب فإن مشهد النجوم يثير في الضحك. ويعتقد أصدقاؤك

أنك مجنون. فما رأيك في هذه الورطة التي ورطتك فيها.

وضحك أيضاً ثم قال: أنا لا أهبك نجوماً بل مجموعة من الجلاجل الصغيرة قد أتقنت الضحك.

وضحك أيضاً ثم عاد إلى رصانته فقال: لا تصحبني هذه الليلة.

قلت: لا أتركك الليلة.

قال: إذا صحبتني خشيت أن ترى في عوارض الألم ولا ألم. وان تراني أموت ولا موت. فالأفضل أن لا

ترى ذلك. لا تأت الليلة فلا فائدة من مجيئك.

وبدت على وجهه علائم القلق وقال: أقول لك هذا خوفاً عليك من الحية، فأنا أخشى أن تلسعك والحيات

كما تعلم خبيثات قد تلسع لمجرد لذة اللسع.

قلت: لا أتركك الليلة.

وكأن فكراً خطر له فاطمأن وقال: على أن الحية إذا لسعت أفرغت سمها ولا تستبقي منه للسعة الثانية.

ما رأيته تلك الليلة عندما أخذ في طريقه فإنه انسلَّ خفية ولم يسمع له حركة. ولما لحقت به كان يمشي

مسرعاً بخطو ثابت. فما إن رآني حتى قال: قد جئت! ولم يزد.

ثم أخذ بيدي وسرنا، وكان الأسى بادياً على وجهه. وبعد قليل قال لي: قد أخطأت بالمجيء، فإنك ستحزن

لاعتقادك بأني ميت، وما أنا ميت.

فصمتّ ولم اجب فقال: إن وطني بعيد، وليس في طاقتي نقل هذا الجسم إليه فإنه ثقيل.

وبقيت صامتاً فقال: وما هذا الجسم إلا قشرة بالية، وهل تثير القشرة البالية حزناً!

وبقيت صامتاً.

فيئس من جوابي بيد أنه تشدد فقال:

وأنا أيضاً سأنظر إلى النجوم وستكون النجوم عندي آباراً لها بكرات ركبها الصدأ تجود علي بمائها

فأشرب.

وبقيت صامتاً.

فأردف: ما أجمل ما تكون حالنا! يكون لك خمسماية مليون من الجلاجل ويكون لي خمسماية مليون من

الينابيع.

وسكت هو أيضاً لأن البكاء غلب عليه.

ثم قال: قد بلغنا المكان. فدعني أسير قليلاً وحدي، لكنه جلس لأن الخوف كان قد اعتراه، وقال أيضاً:

أنت تدري أني مسؤول عن زهرتي، وإنها ضعيفة واهنة، وإنها على غاية من السذاجة. وليس لها لحماية

نفسها من شر هذا العالم سوى أربع شوكات صغار لا آبه لها.

وخارت قواي، ولم أستطع البقاء واقفاً فجلست بالقرب منه فقال:

قد انتهى كل شيء.

وتردد قليلاً ثم نهض وخطا خطوة. أما أنا فما كنت أستطيع حراكاً.

لم أر سوى وميض مر بالقرب من رجله فلبث هنيهة جامداً في مكانه لا يتحرك ولا يصيح، ثم هوى برفق

كما تهوي الشجرة، وكان سقوطه على الرمل فلم يسمع له حس.