Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير
    

XXVII

الآن قد مضى ست سنوات لم أقص أثنائها هذه القصة على أحد من الناس. ولما عدت إلى رفقائي سروا

بنجاتي كثيراً وهنأوني بالسلامة، أما أنا فكنت كئيباً. ولما سألوني عن كآبتي قلت لهم: هو التعب.

قد سلوت بعض السلوان لا كله لعلمي بأنه عاد إلى كوكبه فإني لم أر جثمانه عند طلوع الفجر. ولا عجب

فجثمانه لم يكن من الثقل بحيث يصعب انتقاله. إني أحب الآن الاستماع إلى النجوم في الليل فهي خمسماية

مليون من الجلاجل.

غير أن فكراً ينغص علي راحتي: إني سهوت عن إضافة سير من الجلد على الكمامة التي رسمتها للأمير

الصغير، فكيف يثبت الكمامة في رأس الخروف، فأنا لا أفتأ أسأل نفسي قائلاً:

ماذا جرى يا ترى في كوكب الأمير ؟

قد يكون الخروف أكل الزهرة.

ثم أجيب نفسي قائلاً: هذا لا يكون فإن الأمير الصغير يضع الزهرة تحت غطاء من الزجاج، وإنه يراقب

خروفه ويسهر عليه. فأغتبط لهذه الفكرة وتغتبط النجوم لغبطتي فتضحك.

ثم أقول: قد يغفل الأمير عن زهرته أو عن خروفه فتقع الكارثة.

قد يكون سهى في أحد الأمسيات عن وضع الغطاء، وقد يكون الخروف سرح يوماً في الليل دون أن

يشعر به الأمير. وعندئذٍ ينقلب ضحك الجلاجل إلى بكاء.

 عظيم ينغّص علي عيشتي. كلّ شيء في العالم يتغير وجهه لي ولكم، أنتم الذين تحبون الأمير

هذا سر

الصغير، كلما فكرنا في خروف لا نعرفه في ناحية من الكون لا نعرفها وسألنا نفوسنا قائلين:

تُرى أكل الخروف الوردة أم لم يأكلها؟

انظروا إلى السماء وسائلوا نفوسكم قائلين: هل أكل الخروف الزهرة أم لم يأكلها وللحال يتبدل لكم وجه

الكون.

ما من أحد من الكبار يدرك أن هذا الأمر هو على جانب عظيم من الخطورة.

إن المنظر الذي ترى في الصفحة المقابلة لهذه الصفحة هو في عيني أجمل منظر في الكون وأشد المناظر

كآبة. هو المنظر نفسه الذي تراه في الصفحة السابقة وقد أعدت رسمه للفت نظرك إليه. ففي هذا المكان

ظهر الأمير الصغير على الأرض ومنه اختفى.

تأملوا هذا المنظر ملياً حتى إذا رحلتم يوماً إلى أفريقية وتوغلتم في الصحراء تمكنتم من معرفته وإثباته،

وإذا اتفق لكم أن مررتم بذلك المكان فأسألكم بإلحاح أن لا تتجاوزوه مسرعين بل تمهلوا فيه وقفوا قليلاً

تحت النجمة.

فإذا أقبل عليكم ولد وضحك وكان شعره بلون الذهب وأحجم عن الجواب كلما سألتموه عرفتم إنه هو.

فأرفقوا عندئذٍ بي ولا تتركوني وكآبتي بل بادروا بالكتابة إلي وإخباري بعودته.