Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير
    

VII

في اليوم الخامس عرفتُ شيئاً جديداً عن الأمير الصغير، وكان الفضل في ذلك كما كان من قبل راجعاً

إلى الخروف. ألقى سؤاله تواً وعلى حين غرة كأنّما هو نتيجة تفكير عميق في معضلة حاول حلّها.

قال: إذا كان الخروف يأكل صغار الشجر فهو يأكل الأزهار أيضاً!

قلت: الخروف يأكل كلّ شيء يجده في طريقه.

قال: وهل يأكل الأزهار ذات الشوك؟

قلت: يأكل حتّى الأزهار المشوكة.

قال: وما نفع الأشواك إذاً؟

ما كنتُ أدري ما نفعها. وكنت عندئذٍ منهمكاً في فك لولب في المحرك استعصى علي وقد خشيت أن

يطول الزمن قبل التمكّن من إصلاح الخلل فيتحرج الموقف، ولا سيما أن ماء الشرب آخذ في النفاذ.

وكرر الأمير السؤال قائلاً: الأشواك ما نفعها؟ فإنه ما كان ليتخلّى عن سؤال طرحه بل يلح فيه ويبالغ في

إلحاحه. وكان اللولب المستعصي قد أثار سخطي فأجبته جواباً لا طائل تحته.

قلتُ له: الأشواك لا تفيد شيئاً. إن هي إلاّ مظهر من مظاهر سوء الخلق عند الأزهار.

فقال متعجباً: ماذا؟

وبعد أن وجم قليلاً صاح بي وفي نبرة صوته نبرة الحاقد: أنا لا أصدق ما تقول. إن الأزهار ضعيفة

البنية ساذجة الطبع. تعمل على طمأنة نفسها قدر استطاعتها، فإذا تسلّحت بالأشواك حسبت أنّها تبعث

الرعب في القلوب.

فلم أحر جواباً وكنت عندئذِ أفكّر في نفسي قائلاً: إذا ظلّ هذا اللولب على المقاومة أطرته بضربة من

المطرقة.

عاد الأمير فشوش مجرى أفكاري وقال: أتظن أنت أن الأزهار...

فقطعت كلامه قائلاً: كلا، كلا. أنا لا أظن شيئاً. قد أجبتك جواباً في الهواء لا طائل تحته فأنا أهتم الآن

لأمور جدية!

فنظر إلي بدهشة وقال: أمور جدية؟

وكان يراني والمطرقة بيدي وأصابعي سود من الشحم وأنا منحنِ من فوق هنّةِ تبدو في عينه على غاية

من القبح، ثم قال: إنّك لتتكلم ككبار الناس!

فخجلت بعض الخجل من نفسي، أما هو فلم يرأف بخجلي بل تابع قائلاً: إنك لا تميز بين الأشياء بل تخلط

بينها جميعاً!

وكان مستشيطاً غيظاً، يهتز من غيظه فيرتجف في الهواء شعره الذهبي ،ثم قال:

عرفتُ كوكباً كان فيه رجلٌ قرمزي اللون. ما شم يوماً زهرة ولا نظر إلى نجمة ولا أحب أحداً فكان

انهماكه طوال حياته في جمع الأرقام، وكان يردد في يومه، من صبحه إلى مسائه، ما قلت أنت: "أنا رجل

رزين، أنا رجل رزين" وكان ينتفخ كبراً لكنّه ما كان رجلاً بل ضرباً من الفطر.

قلت: ماذا؟

قال: ضرباً من الفطر.

قال هذا وقد امتقع لونه من ثورة الغضب.

ثم قال: منذ الملايين من السنين تنبت الأزهار أشواكاً، ومنذ الملايين من السنين تأكل الخرفان الأزهار

بالرغم من الأشواك، وأنت ترى أنّه ليس من الجد في شيء أن نحاول إدراك السبب الذي من أجله تعاني

الأزهار إنباتاً لأشواك لغير ما فائدة. ألا يكون من شأنٍِ للحرب القائمة بين الخرفان والأزهار؟ ألا يكون

التبحر في هذه القضايا أجلّ شأناً وأكثر رصانة من التبحر في الأرقام التي يقضي ذلك الرجل الضخم

الجثة، القرمزي اللون، في جمعها؟ فلو أنني أعرف أنا زهرة وحيدة لا شبيه لها في العالم وكانت هذه

الزهرة في كوكبي وأعرف أن في طاقة خروف صغير أن يقضي عليها ويبيدها صباح يومٍ، بقضمة

واحدة، من دون أن يدرك شنيع صنعه، أما تكون هذه القضية في نظري على جانب من الخطورة!

وعلا وجهه احمرار ثم عاد فقال: إذا أحب رجل زهرة ليس من نوعها إلاّ هي في الملايين الملايين من

النجوم فإن ذلك يكفي لإسعاده عندما ينظر إلى النجوم ويقول في نفسه "إن زهرتي هي في بعض هذه

الكواكب" أما إذا أكل الخروف الزهرة فإن تلك النجوم تنطفئ بغتةً في ناظريه وتصبح كأنّها لم تكن. ألا

ترى في هذا شيئاً خطيراً؟

قال هذا ولم يزد بل طفق يشهق وينتحب، وكان الليل قد خيم. وقد سقطت الأدوات من يدي، نظرت إلى

المطرقة واللولب نظرة استخفاف واحتقار، وهان عندي العطش والموت.

فعلى هذه النجمة، هذه الأرض التي هي كوكبي، أمير صغير ينبغي لي أن أُهدئ من روعه وأعزيه

وأواسيه، فأخذته بين ذراعي وهدهدته وقلت له: لا خطر على الزهرة التي تحب فإني أرسم للخروف

كمامة فلا يستطيع قضمها وأرسم للزهرة حاجزاً من حديد فلا يستطيع الدنو منها.

وارتبكت فلا أدري ما أقول له وشعرت بأنّي خرِفٌ غبي لا يسعني إدراك ما به ولا اللحاق به في عالمه،

 غامض!

إن عالم الدموع لسر