Antoine de Saint-Exupéry

الأمير الصغير


    

IX

أعتقد أنه اغتنم فرصة مرور طيور برية كانت مرتحلة من بلد إلى بلد ففر معها، على أنّه في صباح يوم

فراره رتّب كوكبه ووضع فيه كلّ شيء في محلّه فنظّف، بكثير من الاعتناء، البراكين المشتعلة، وكان في

الكوكب اثنان منها، ولا يخفى ما في هذين البركانين من الفائدة فأنّه كان يسخّن عليهما طعام الصباح.

وكان في الكوكب أيضاً بركان هامد. لكن من يدري متى يشتعل؟ لذلك نظّفه من أوساخه، فإن البراكين إذا

نظّفت ونزعت أوساخها كان اشتعالها لطيفاً منتظماً فلا يخشى ثورانها. إن ثوران البراكين لأشبه بنار

الموقد، فإذا اتسخت مداخنها وصعب مرور الهواء فيها، أدت إلى الكوارث. أما نحن على هذه الأرض

فأن براكيننا عظيمة ونحن صغار فلا نستطيع تنظيفها فهي لا تفتأ مدعاة للقلق والحذر.

ثم انتزع الأمير الصغير ما نبت من بزور البوبابات وكان في عمله هذا على شيء من الكآبة لأنّه كان

مصمماً على أن لا يعود إلى كوكبه، بيد أنّه كان يجد في ذلك الصباح كثيراً من الارتياح في انصرافه إلى

هذه الأعمال التي ألفها. وعندما سقى للمرة الأخيرة زهرته وهم بأن يضع عليها غطائها الزجاجي شعر

بالدمع يصعد إلى مقلتيه، فتمالك وقال للزهرة: الوداع!

فلم تجبه الزهرة فكرر قائلاً: الوداع!

فأحت الزهرة أحة لم تكن أحة زكام وقالت: قد كنت في سلوكي معك غبية حمقاء فاغفر لي واجتهد أن

تكون سعيداً.

فعجب الأمير من أنّها لم تُبدِ لوماً ولا عتباً ووقف لا يدري ما يصنع وغطاء الزجاج في يديه وهو لا

يدرك ما يشاهد في الزهرة من الرقّة و اللطف والسكينة.

ثم قالت له: أي واالله أنّي أُحبك ولئن خفي عليك حبي فالذنب ذنبي لا ذنبك. أما الآن فأي شأنٍ لكلِّ هذا،

على أنّك أنت أيضاً كنت مثلي حمقاً وغباوة. فاجتهد أن تكون سعيداً...واترك هذا الغطاء فلا حاجة لي به.

قال: والهواء؟

قالت: لست من السعال في الدرجة التي تعتقد...وإن هواء الليل العليل لأنفع لي وأفيد. وإنّما أنا زهرة...

قال: والوحوش!؟

قالت: لا بد لي، إذا أردت رؤية الفراشات، من تحمل جيرة بعض الديدان. فقد بلغني أن الفراشات شيء

عجيب، وإذا لم يكن من فراشات فمن يزورني من بعدك. أما الوحوش فلا خوف علي منها فإنّي أذودها

ببراثني، وأشارت إلى أشواكها الأربع وأردفت قائلة: لِم إبطاؤك؟ إنّك لتزعجني بتمهلك وتردك. ألم تقرر

الذهاب؟ فاذهب إذن.

وما قالت ذلك إلاّ مخافة أن يراها تبكي. إنّها كانت زهرة على جانب عظيم من الكبرياء.